الطبراني
330
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
قوله عزّ وجلّ : وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ؛ أي اقتلوا الذين يبدأونكم بالقتال من أهل مكّة حيث وجدتّموهم ؛ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ؛ أي كما أخرجوكم من مكّة ؛ قوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ؛ أي والشّرك الذي هم فيه أعظم ذنبا من قتلكم إياهم في الحرم والأشهر الحرم والإحرام . هكذا قال عامة المفسرين . وقال الكسائيّ : ( الفتنة ها هنا العذاب ) وكانوا يعذّبون من أسلم . قوله تعالى : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ؛ أي إذا بدأوكم في غير الحرم ، ثم لجأوا إلى الحرم فكفوا عن قتالهم ولا تقاتلوهم في الحرم حتّى يقاتلوكم فيه ، فإن بدأوكم بالقتال في الحرم فاقتلوهم فيه ، كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) . قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرّف ويحيى بن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي : ( ولا تقتلوهم ) بغير ألف من القتل على معنى ولا تقتلوا بعضهم . تقول العرب : قتلنا بني تميم ؛ وإنّما قتلوا بعضهم . وقرأ الباقون كلها بالألف من القتال . واختلفوا في حكم هذه الآية ؛ فقال بعضهم : هي منسوخة ؛ نهوا عن الابتداء بالقتال ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ، وهذا قول قتادة والربيع « 1 » . وقال مقاتل : ( وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ) أي حيث أدركتموهم في الحلّ والحرم . لما نزلت هذه الآية نسخها قوله تعالى : ( وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ثمّ نسختها آية السيف التي في براءة ، فهي ناسخة منسوخة ) . وقال آخرون : هذه آية محكمة ؛ ولا يجوز الابتداء في القتال في الحرم . وهو قول مجاهد « 2 » وأكثر المفسرين . وسمّي الكفر فتنة ؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنة تؤدي إلى الهلاك . قوله تعالى : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) ؛ أي فإن انتهوا عن القتال والكفر فإن اللّه ( غَفُورٌ ) لما مضى من جهلهم ولما سلف من كفرهم ، ( رَحِيمٌ ) بهم بعد توبتهم وإسلامهم .
--> ( 1 ) أخرجهما الطبري في جامع البيان : النص ( 2543 و 2544 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص ( 2545 ) .